اسماعيل بن محمد القونوي
479
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وعطف العمل على الإيمان مرتبا للحكم عليهما اشعار بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين ) أي عطفه في ضمن عطف عَمِلُوا [ البقرة : 25 ] على جملة آمَنُوا [ البقرة : 25 ] وإنما اختار هذه المسامحة لأن البيان المذكور إنما يحصل به قوله مرتبا اسم فاعل والمراد بالحكم التبشير بقرينة قوله في استحقاق هذه البشارة والبشارة وإن تقدمت لكن تعلق الحكم بالمشتق يفيد علية مأخذ الاشتقاق فهي متقدمة بالذات ولو أريد بالحكم الحكم أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ [ البقرة : 25 ] الآية لاستغنى عن هذا التكلف قوله هذه البشارة باعتبار كون البشارة بها واطلاق الحكم يشعر بذلك إذ لا حكم في التبشير معلل حتى يعلل به إلا بتأويل مجموع الأمرين أي الإيمان والعمل والمراد أن السبب العادي بمقتضى الوعد الإلهي في استحقاق هذه البشارة على وجه الكمال بحيث لا يشوبه مؤاخذة ولا معاتبة مجموع الأمرين وأما الإيمان وحده وإن كان منجيا سببا لاستحقاق البشارة المذكورة لكن يخاف عليه سبق العذاب في دار الحجاب فلا يوجد في الإيمان وحده سبب استحقاقها على وجه الكمال لا مطلقا فلا إشكال بأنه مذهب المعتزلة وأنه تبع فيه الزمخشري كيف لا وقد صرح المص في كتابه أن الإيمان منج وحده كما هو مذهب أهل السنة والقول بأن العمل جزء من الإيمان عند الشافعي وهو مذهب المص ضعيف لأن مرادهم الإيمان الكامل ألا يرى إلى قوله وفيه دليل على أن الأعمال الخ فإنه صريح في أن الإيمان هو التصديق عندهم والعمل خارج عنه . قوله : ( فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق اس والعمل الصالح كالبناء عليه ولا غناء بأس لا بناء عليه ولذلك قلما ذكرا مفردين وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان ) عن التحقيق أي التصديق على وجه اليقين إذ هو مصدر حققه إذا صدقه كما قوله : ولا غناء بأس لا بناء عليه مصراع موزون فكأنه صدر لا على سبيل القصد قال الراغب قلما ذكر اللّه الإيمان إلا قرن به الأعمال الصالحة تنبيها على أن الاعتقاد لا يغني من العمل فالعلم أس والعمل بناء ولا غناء بالأس ما لم يكن بناء كما لا بناء ما لم يكن اس ولذلك قيل لولا العلم لم يكن عمل ولولا العمل لم يطلب العلم فإذا حقهما أن يتلازما قال الطيبي مذهب السلف الصالح بخلافه كما نص في شرح السنة وفيه دليل أي وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أن العمل ليس جزءا من الإيمان بل هو خارج عن حقيقته لأن الأصل في العطف أن لا يعطف الشيء على نفسه وعلى ما هو داخل فردا منه أو جزءا وإنما قال إذ الأصل لأنه قد يعطف على الشيء ما هو داخل فيه كعطف الروح على الملائكة في قوله عز وجل : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ [ القدر : 4 ] والمراد منه جبريل عليه السّلام والغرض من مثل هذا العطف التنويه لشأن المعطوف واشعار بأنه لكمال شأنه كأنه حقيقة أخرى ليس من جنس المعطوف عليه وأنه ليس من مشمولاته فلا يفي في احضاره لفظ المعطوف عليه بل لا بد لاحضاره لفظ آخر دال على خصوصه كالمسك من بين جنس الدماء ولذا قيل : فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإن المسك بعض دم الغزال وكالعنب من بين الفواكه ولذا لا يحنث بأكله من حلف على أن لا يأكل فاكهة أو التحقير له كما في ضده .